الخميس، 23 أبريل 2026

08:31 م

أحمد الشيخ يكتب: السيادة الرقمية تبدأ من الداخل

الكاتب الصحفي أحمد الشيخ

الكاتب الصحفي أحمد الشيخ

A A

في عالم اليوم، لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات نستخدمها في العمل أو التواصل أو إدارة المؤسسات، بل أصبحت أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والسياسية والأمنية للدول. 

فكما كانت الدول في الماضي تتنافس على امتلاك الموارد الطبيعية أو القدرات العسكرية، أصبحت تتنافس الآن على امتلاك البيانات، والبنية الرقمية، والمنصات التكنولوجية، والقدرة على التحكم في تدفق المعلومات، ومن هنا يبرز مفهوم بالغ الأهمية هو السيادة الرقمية.

السيادة الرقمية يا سادة  تعني ببساطة أن تمتلك الدولة القدرة على إدارة بياناتها، وتشغيل مؤسساتها، وتطوير خدماتها، واتخاذ قراراتها التقنية دون اعتماد مفرط على أطراف خارجية قد تستخدم هذا الاعتماد كورقة ضغط اقتصادية أو سياسية في أي وقت.

 ولهذا السبب بدأت دول كبرى في العالم إعادة النظر في اعتمادها الكامل على المنتجات التكنولوجية الأجنبية، واتجهت إلى تطوير بدائل محلية أو تبني الحلول مفتوحة المصدر.

إن الاعتماد الكامل على البرمجيات والمنصات الأجنبية قد يبدو في ظاهره خياراً سهلاً وسريعاً، لكنه يحمل في جوهره مخاطر استراتيجية كبيرة.

 أول هذه المخاطر هو التحكم الخارجي في البيانات، فعندما تستخدم المؤسسات منصات أجنبية في الاجتماعات، أو إدارة الأعمال، أو التخزين السحابي، أو الاتصالات، فإن جزءاً كبيراً من البيانات الحساسة يصبح خارج السيطرة الكاملة للدولة أو المؤسسة، وفي عصر أصبحت فيه البيانات تساوي المال والنفوذ، لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة.

الخطر الثاني يتمثل في الاعتماد التقني. فإذا كانت البنية التشغيلية لمؤسسة ما تعتمد بالكامل على شركة أجنبية، فإن أي تغيير في السياسات، أو الأسعار، أو شروط الاستخدام، أو حتى العقوبات الدولية، قد يربك العمل فجأة، وهذا ما جعل دولاً أوروبية عديدة تتجه مؤخراً إلى مراجعة علاقتها مع بعض الشركات التكنولوجية الكبرى، والبحث عن بدائل أكثر استقلالية.

أما الخطر الثالث فهو نزيف العملة الصعبة، فمئات الملايين تُنفق سنوياً على تراخيص البرامج الأجنبية، والاشتراكات، والخدمات السحابية، والدعم الفني الخارجي، ولو تم توجيه جزء من هذه الأموال إلى شركات مصرية ناشئة، أو مراكز تطوير محلية، أو مشاريع مفتوحة المصدر، لأمكن خلق صناعة تكنولوجية وطنية قوية قادرة على المنافسة.

من هنا تأتي أهمية تشجيع المنتجات والحلول التكنولوجية المحلية، فمصر تمتلك كنزاً حقيقياً يتمثل في شبابها، ومهندسيها، ومبرمجيها، ورواد الأعمال القادرين على إنتاج تطبيقات ومنصات وخدمات ذات جودة عالية إذا توفرت البيئة المناسبة.

 لدينا في مصر عقول قادرة على تطوير تطبيقات للاجتماعات الافتراضية، وإدارة المؤسسات، والتعليم الإلكتروني، والصحة الرقمية، والخدمات الحكومية، بل وحتى الذكاء الاصطناعي.

عندما ندعم منتجاً تكنولوجياً محلياً، فنحن لا نشتري مجرد خدمة، بل نستثمر في الاقتصاد الوطني، نحن نوفر وظائف، وننمي خبرات، ونبني شركات، ونخلق قيمة مضافة تبقى داخل السوق المصري بدلاً من خروجها إلى الخارج، كما أننا نمنح المطور المحلي فرصة للتوسع إقليمياً وتصدير التكنولوجيا المصرية إلى الأسواق العربية والأفريقية.

ولا يقل أهمية عن ذلك دعم الحلول مفتوحة المصدر، فالبرمجيات مفتوحة المصدر تمنح المؤسسات حرية أكبر في التعديل والتطوير والتشغيل دون الارتباط بشركة واحدة تحتكر المنتج، كما أنها تخفض التكاليف، وتسمح ببناء نظم محلية تناسب الاحتياجات المصرية، وتخلق مجتمعاً تقنياً نشطاً من المطورين والخبراء.

"لينكس" على سبيل المثال، لم يعد مجرد نظام تشغيل بديل ل "ويندوز"، بل أصبح العمود الفقري لعدد هائل من الخوادم العالمية، ومراكز البيانات، وأنظمة الشركات الكبرى، وكذلك توجد بدائل مفتوحة المصدر للبريد الإلكتروني، والاجتماعات المرئية، وإدارة المحتوى، وقواعد البيانات، والتعليم الإلكتروني، وغيرها.

 هذه الأدوات يمكن أن تكون نقطة انطلاق مهمة لبناء بنية رقمية مصرية أكثر استقلالاً.

لكن التحول نحو السيادة الرقمية لا يتحقق بالشعارات فقط، بل يحتاج إلى خطوات عملية، منها:

أولاً: منح أولوية في المشتريات الحكومية للحلول المحلية متى توافرت الجودة والكفاءة.

ثانياً: دعم الشركات الناشئة العاملة في التكنولوجيا من خلال التمويل والتشريعات والحوافز.

ثالثاً: إدماج البرمجيات مفتوحة المصدر في الجامعات والمدارس ومؤسسات الدولة.

رابعاً: إنشاء مراكز وطنية للأمن السيبراني وحوكمة البيانات.

خامساً: تشجيع القطاع الخاص على استخدام المنتجات المحلية عبر حوافز ضريبية أو تمويلية.

من المهم التأكيد أن الدعوة إلى دعم التكنولوجيا المحلية لا تعني الانغلاق أو مقاطعة العالم، بل تعني التوازن الذكي، حيث  نستفيد من الخبرات العالمية، لكننا في الوقت نفسه نبني قدراتنا الذاتية، نتعاون دولياً، لكن لا نعتمد كلياً على الخارج، نستخدم التكنولوجيا العالمية، لكن مع وجود بدائل وطنية تحفظ الاستقلال.

إن الدول التي لا تملك أدواتها الرقمية ستجد نفسها في المستقبل تابعة لمن يملكها، أما الدول التي تستثمر اليوم في المعرفة، والبرمجيات، والبيانات، والابتكار، فهي التي ستقود اقتصاد الغد.

السيادة الرقمية لم تعد رفاهية، بل ضرورة وطنية، ودعم التكنولوجيا المحلية لم يعد خياراً جانبياً، بل استثمار مباشر في الأمن القومي والاقتصاد المعرفي المصري.

 وإذا كنا نؤمن بشعار "صنع في مصر" في الصناعة، فقد حان الوقت لرفعه بقوة في عالم التكنولوجيا أيضاً.

Short URL
استطلاع رأى

هل يتراجع عدد عملاء CIB خلال الفترة المقبلة بعد زيادة أسعار رسوم التحويل والخدمات؟

  • نعم

  • لا

  • غير مهتم

search

أكثر الكلمات انتشاراً