الجمعة، 02 يناير 2026

11:44 ص

الذكاء الاصطناعي يبالغ في تقدير عقلانية البشر بالقرارات الإستراتيجية

الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي

ياسين عبد العزيز

A A

كشفت دراسة علمية حديثة عن خلل جوهري في كيفية إدراك نماذج الذكاء الاصطناعي للسلوك الإنساني، حيث تميل الأنظمة المتطورة مثل شات جي بي تي وكلود إلى افتراض عقلانية مفرطة لدى البشر، وتتوقع هذه النماذج أن يتخذ الإنسان قرارات منطقية بحتة في المواقف التي تتطلب تفكيراً إستراتيجياً، مما يبرز فجوة عميقة بين التحليل الرقمي الصارم وبين الطبيعة البشرية المتقلبة وغير المتوقعة دائماً.

اختبر الباحثون مجموعة من النماذج اللغوية الكبيرة في إطار نظرية الألعاب الكلاسيكية المعقدة، واستخدمت الدراسة تجارب شهيرة مثل "مسابقة الجمال الكينزية" ونسخة مطورة من لعبة "خمن الرقم"، حيث يتعين على اللاعب التنبؤ باختيارات المنافسين الآخرين لتحقيق الفوز المؤكد، وليس مجرد اختيار الرقم الذي يفضله الشخص بناءً على رغبته الفردية أو عواطفه الخاصة، مما يضع الذكاء الاصطناعي في مواجهة مباشرة مع سيكولوجية الجماهير.

أظهرت نتائج التجارب أن النماذج كانت تعدل اختياراتها بناءً على توقعاتها المسبقة لسلوك البشر، لكنها بالغت بشكل كبير في افتراض مستوى التفكير المنطقي المتسلسل لدى المتنافسين من بني الإنسان، وهو ما أدى إلى ما وصفه الخبراء بظاهرة "اللعب بذكاء زائد" التي تسببت في فشل الأنظمة، حيث لم تستطع هذه النماذج الوصول إلى النتيجة المثالية لأنها لم تضع في حسبانها احتمالات الخطأ أو العشوائية البشرية.

عقلانية مفرطة

يرى الباحثون أن هذا التفاوت بين توقعات الذكاء الاصطناعي والسلوك البشري الفعلي يمثل تحدياً، إذ قد يؤثر هذا القصور البرمجي على قدرة الأنظمة الذكية في التنبؤ بالقرارات الاقتصادية والمالية، فالبشر في الواقع يميلون لاتخاذ قرارات تتأثر بالعواطف والضغوط الاجتماعية والتحيزات الفكرية المسبقة، وهي عناصر يبدو أن الذكاء الاصطناعي يتجاهلها حالياً لصالح منطق رياضي جاف لا يعكس حقيقة الواقع المعاش.

تؤكد الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يفتقر حتى الآن إلى "نظرية العقل" الكافية لفهم القصور الإنساني، حيث يفترض أن الجميع سيفكرون في الخطوة التالية واللاحقة بنفس الدقة والسرعة التي يعمل بها، وهذا التفاؤل المفرط بسلوك البشر قد يؤدي إلى نتائج كارثية في مجالات حساسة مثل المفاوضات السياسية، أو إدارة الأزمات الدولية التي تتطلب فهماً عميقاً للدوافع غير المنطقية والمخاوف البشرية الدفينة.

تعدل النماذج اللغوية مساراتها التحليلية بناءً على البيانات التاريخية التي تدربت عليها طوال الأعوام الماضية، ولكن يبدو أن هذه البيانات لم تكن كافية لتلقين الآلة دروساً حول "اللاعقلانية البشرية" المستمرة، ويشير التقرير إلى أن الاعتماد الكلي على هذه التقنيات في التنبؤ بأسواق الأسهم قد يكون محفوفاً بالمخاطر، لأن الآلة تتوقع أن يتصرف المستثمرون كآلات مماثلة لها، بينما الواقع يثبت أن الخوف والطمع هما المحركان الأساسيان للأسواق.

فجوة السلوك

تفتح هذه النتائج الباب أمام المطورين لإعادة صياغة خوارزميات التفكير داخل النماذج اللغوية الكبيرة، حيث يتطلب الأمر حقن هذه الأنظمة بمعلومات سيكولوجية تدرك أن البشر يخطئون ويسلكون طرقاً مختصرة، ويجب أن يتعلم الذكاء الاصطناعي كيف يتوقع "الغباء البشري" أو التفكير المحدود في المواقف التنافسية، لكي يتمكن من تقديم نصائح وتحليلات واقعية تلامس الحقيقة وتتجنب المثالية الرقمية التي لا وجود لها في عالمنا.

استخدمت الدراسة معايير صارمة لمراقبة كيفية تطور استجابات النماذج عند تكرار اللعبة لعدة مرات، ووجد الباحثون أن الذكاء الاصطناعي يرفع من سقف توقعاته للمنافسين بدلاً من خفضها، وهذا التصاعد في افتراض الذكاء لدى الآخرين يجعل الآلة تبتعد أكثر عن الحلول البسيطة والناجحة، مما يثبت أن التطور التقني المذهل قد يصبح عائقاً في فهم البساطة البشرية أو السلوكيات الفطرية التي تفتقر للتخطيط المعقد.

تتوقع الأوساط العلمية أن تساهم هذه الدراسة في تغيير فلسفة بناء "الوكلاء الأذكياء" في عام 2026، حيث ستنتقل الشركات من مرحلة تعليم الآلة كيف تفكر بذكاء إلى مرحلة تعليمها كيف تفهم البشر، وهذا التحول سيتطلب دمج علوم الأعصاب والاجتماع مع علوم البيانات والبرمجة الحديثة، لضمان صياغة أنظمة قادرة على التعايش مع التناقضات البشرية وتقديم حلول تتوافق مع العقل والعاطفة في آن واحد.

توقعات خاطئة

يختتم التقرير بالإشارة إلى أن التفاؤل الزائد لدى الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خطأ تقني عابر، بل هو انعكاس لكيفية بناء هذه الأنظمة على أسس القواعد والأنماط المنتظمة والمثالية، ومع وصولنا لنهاية عام 2025 ندرك أن التحدي القادم ليس في زيادة ذكاء الآلة، بل في جعلها أكثر قرباً من الواقعية البشرية بكل ما فيها من تعقيد وقصور، لكي تصبح شريكاً حقيقياً يفهمنا كما نحن لا كما يتمنى أن نكون.

Short URL
استطلاع رأى

هل يتراجع عدد عملاء CIB خلال الفترة المقبلة بعد زيادة أسعار رسوم التحويل والخدمات؟

  • نعم

  • لا

  • غير مهتم

search

أكثر الكلمات انتشاراً