الجمعة، 02 يناير 2026

04:23 م

كوب ماء لكل إجابة.. التكلفة الخفية للذكاء الاصطناعي على الكوكب

الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي

ياسين عبد العزيز

A A

يكلف الذكاء الاصطناعي البشرية ثمناً باهظاً يتجاوز الحدود الرقمية والتقنية المعروفة، حيث يبدأ هذا الثمن بسؤال واحد يطرحه المستخدم بحثاً عن إجابة سريعة أو فكرة مبتكرة، وتتحول ملايين التفاعلات اليومية إلى عبء بيئي يهدد أهم مقومات الحياة على كوكب الأرض، وهو المورد المائي الذي بدأ ينضب تدريجياً بسبب حاجتنا المتزايدة للحلول الخوارزمية المتطورة والمكلفة بيئياً.

تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل "شات جي بي تي" على بنية تحتية عملاقة، تضم آلاف الحواسيب الفائقة المكدسة داخل غرف مغلقة تُعرف بمراكز البيانات الضخمة، وتعمل هذه "العقول الحديدية" بمعدلات معالجة تفوق الخيالات البشرية التقليدية بآلاف المرات، مما يؤدي إلى توليد طاقة حرارية هائلة ناتجة عن ملايين العمليات الحسابية المعقدة التي تنفذ في أجزاء من الثانية الواحدة.

يؤدي هذا الارتفاع الهائل في درجات حرارة الخوادم إلى ضرورة تبريدها بشكل مستمر، وذلك لتجنب احتراق المكونات الإلكترونية الحساسة وضمان استمرارية الخدمات الرقمية دون انقطاع، وتستخدم شركات التكنولوجيا كميات ضخمة من المياه العذبة في أبراج التبريد وأنظمة التبادل الحراري، مما يجعل كل محادثة رقمية بسيطة تستهلك فعلياً ما يعادل كوب ماء كامل من الموارد الطبيعية.

أزمة المياه

تشير الدراسات العلمية الحديثة إلى أن استهلاك الخوارزميات للمياه سيصل لأرقام مرعبة، حيث يتوقع الخبراء أن يتراوح الاستهلاك السنوي بين 312 و764 مليار لتر بحلول نهاية عام 2025، وهو رقم ضخم يعادل إجمالي ما يستهلكه سكان العالم من المياه المعبأة سنوياً، مما يضع البشرية أمام مفارقة قاسية بين الرغبة في التطور التكنولوجي وبين الحاجة الملحة للحفاظ على أمنها المائي.

تكمن الصدمة الكبرى في أن نحو 95% من مراكز البيانات العالمية لا تستخدم مياه البحر، بل تعتمد بشكل كلي على المياه العذبة الصالحة للشرب والتي تصل إلى منازلنا عبر الصنابير، وتستهلك هذه المنشآت الضخمة الموارد التي يحتاجها البشر للزراعة والاستخدام الشخصي، مما يخلق ضغطاً هائلاً على الشبكات المحلية خاصة في المناطق التي تعاني أصلاً من الجفاف أو نقص الموارد المائية.

كشفت واقعة لافتة في ولاية أوريغون الأمريكية عن حجم الكارثة البيئية المحتملة للذكاء الاصطناعي، حيث تبين أن مركز بيانات واحداً فقط استهلك ما يقرب من ربع إجمالي استهلاك مدينة كاملة من المياه، وأثار هذا الاكتشاف مخاوف حقيقية لدى السكان والمسؤولين حول استدامة الموارد المائية في المستقبل، خاصة مع توسع شركات التكنولوجيا في بناء مراكز بيانات جديدة في مختلف القارات.

عقول حديدية

تنفذ الخوادم العمليات الحسابية وتوليد الصور والنصوص بطاقة كهربائية مذهلة ومكثفة جداً، وتساهم عملية توليد هذه الكهرباء في زيادة البصمة المائية الإجمالية لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فالماء لا يستخدم فقط للتبريد المباشر بل يدخل في دورات إنتاج الطاقة اللازمة لتشغيل تلك المعالجات، مما يجعل فاتورة الابتكار الرقمي باهظة جداً على البيئة الحيوية التي نعيش فيها ونعتمد عليها.

يتساءل الكثير من الخبراء عن أخلاقيات استخدام المياه العذبة في تشغيل روبوتات المحادثة، فبينما تعاني مناطق واسعة من العالم من العطش يتم هدر المليارات من اللترات لتبريد خوارزميات، ويجب على الشركات الكبرى مثل جوجل ومايكروسوفت وأوبن إيه آي البحث عن حلول بديلة ومستدامة، مثل استخدام أنظمة التبريد المغلقة أو الاعتماد على تقنيات تبريد لا تستهلك المياه العذبة بشكل مباشر.

يتحمل المستخدمون جزءاً من المسؤولية عبر ترشيد تعاملهم مع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فالإسراف في طرح الأسئلة التافهة أو غير الضرورية يساهم في زيادة الضغط على مراكز البيانات، ويجب أن يدرك الجميع أن كل إجابة يحصلون عليها لها ثمن مائي لا يستهان به، وأن الحفاظ على التوازن البيئي يتطلب وعياً جمعياً بخطورة الاستهلاك الرقمي المفرط وتأثيراته المدمرة على الموارد الطبيعية المحدودة.

مستقبل صادم

يتوقع المحللون أن تصبح قضية "المياه مقابل الذكاء" أحد أبرز التحديات السياسية في عام 2026، حيث قد تضطر الحكومات لفرض قيود صارمة على استهلاك مراكز البيانات للمياه العذبة والكهرباء، وسيؤدي ذلك إلى صراع محتمل بين طموحات الشركات التقنية وبين متطلبات الأمن القومي المائي، مما يدفع نحو ابتكار معالجات ذكاء اصطناعي أقل استهلاكاً للطاقة وأكثر برودة في طبيعة عملها البرمجي.

يظل الوجه الخفي للذكاء الاصطناعي مظلماً بقدر ما هو مشرق في نتائجه وخدماته المتنوعة، فالبريق التقني يخفي وراءه أزمة بيئية قد تجعلنا نقايض راحتنا الرقمية بقطرات المياه التي نشربها، ويجب أن تسير جهود الابتكار في مسارين متوازيين لضمان ألا يحرمنا الذكاء الاصطناعي من المياه، وذلك عبر تطوير تقنيات خضراء تحترم الطبيعة وتضمن مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة بعيداً عن كوابيس العطش التكنولوجي.

Short URL
استطلاع رأى

هل يتراجع عدد عملاء CIB خلال الفترة المقبلة بعد زيادة أسعار رسوم التحويل والخدمات؟

  • نعم

  • لا

  • غير مهتم

search

أكثر الكلمات انتشاراً